«أنتَ ترابٌ وإلى التراب تعود» (تك 3: 19). ليست هذه الكلمات إعلانًا عن نهايةٍ بيولوجيّة فحسب، بل دعوةٌ صريحة إلى أن يرى الإنسان ذاته على حقيقتها: مخلوقٌ محدودٌ، هشٌّ، وعابرٌ في زمنٍ لا يدوم.
خُلق الإنسان من تراب الأرض، لكنّه ما إن يختبر طعم النجاح أو النفوذ أو الشهرة، ينسى أصله. يبني، وينافس، ويتسلّق، ويصارع أخاه الإنسان كأنّ الأرض ملكٌ أبديّ له. يظنّ أنّ السلطة تحميه من السقوط، وأنّ الغنى يشتري له الاستمرار، لكنّ الحقيقة ثابتة: لا شيء أرضيًّا يبقى.
كم من نزاعاتٍ اشتعلت بسبب كبرياءٍ عابر! وكم من علاقاتٍ انكسرت لأنّ الإنسان أراد أن ينتصر لا أن يحبّ! لكنّ التراب ينتظر الجميع بصمتٍ واحد، فلا يفرّق بين قويّ وضعيف، ولا بين مشهورٍ ومنسيّ. «باطل الأباطيل، الكلّ باطل» (جا 1: 2). ليست هذه كلمات يأس، بل جرس إنذار يوقظ الضمير من غفلته.
عندما ينسى الإنسان أنّه من تراب، يتكبّر. وعندما يتذكّر، يتواضع. وعندما يعي أنّه سيعود إلى التراب، يعيد ترتيب أولويّاته، فيسأل نفسه بصدق: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه»؟ (مت 16: 26). إنّ هذا التذكّر لا يقتل الفرح، بل ينقّيه؛ ولا يُطفئ الطموح، بل يطهّره من الأنانيّة، لأنّ الإنسان لا يُقاس بما جمع، بل بما أعطى؛ ولا بما سيطر عليه، بل بما سامح فيه وأحبّ.
يا ربّ الحياة، ذكّرنا، في لحظات قوّتنا، أنّنا من تراب، وفي لحظات ضعفنا، أنّنا بين يديك. حرّرنا من وهم العظمة، ومن صراعاتٍ لا معنى لها. علّمنا أن نتصالح قبل أن يصالحنا التراب، وأن نعود إليك بقلوبٍ متواضعة يوم نعود إلى الأرض التي خرجنا منها. آمين.
المصدر: آسي مينا / د. آمال شعيا