تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ما رمزية الرماد في أربعاء الرماد؟

ابونا

يتمحور أربعاء الرماد في الطقس اللاتيني حول رتبة وضع الرماد على المؤمنين المشاركين في القداس أو في خدمة صلاة خاصة. وعلى الرغم من بساطة هذه الرتبة وقصرها، إلا أنّها غنية بالمعاني الروحية العميقة التي قد يغفل عنها كثيرون.

أولًا: ارتباط الرماد بسرّ الفصح

يُستخرج الرماد عادةً من حرق أغصان الزيتون أو النخيل التي بُوركت في أحد الشعانين من العام السابق. وهكذا يرتبط بداية الصوم الكبير بنهايته، إذ إن الشعانين يقود إلى ذكرى آلام الرب يسوع وموته وقيامته. في هذا المعنى، يبدأ الزمن الأربعيني يوم أربعاء الرماد تحت ظلّ الصليب، وينتهي هذا الزمن أيضًا عند الصليب الذي منه انبثقت القيامة.

ثانيًا: تذكير بالهشاشة البشرية

عندما يضع الكاهن الرماد على جبين المؤمن، يردّد إحدى العبارتين الطقسيّتين، وأشهرهما: «اذكر، يا إنسان، أنّك ترابٌ، وإلى التراب تعود». وهذه العبارة القويّة مأخوذة حرفيًا من سفر التكوين (3: 19)، حين أعلن الله حكمه بعد سقوط آدم وحواء:

«بِعَرَقِ جَبينِكَ تأكُلُ خُبزًا حَتَّى تَعودَ إِلى الأَرض، فمِنها أُخِذتَ لأِنَّكَ تُرابٌ وإِلى التُّرابِ تعود». ثم طُرد آدم وحواء من جنة عدن، ومنعا من العودة، وحكم عليهما بحياة فانية. إنّ هذه العبارة تذكير صريح بواقع الموت، وبنتائج الخطيئة الأولى، وبأن الإنسان كائن محدود يعتمد كليًا على رحمة الله.

ثالثًا: علامة توبة

استُعمل الرماد في العهد القديم علامة توبة وانكسار أمام الله. ففي سفر يهوديت: «وجَميعُ رِجالِ إِسْرائيلَ والنِّساءِ والأَولادُ المُقيمونَ في أُورَشَليم سَجَدوا أَمامَ الهَيكَل وعَفَّروا رؤوسَهم بِالرَّماد وبَسَطوا مُسوحَهم أَمامَ الرَّبّ» (يهوديت 4: 11)، فاستجاب الرب لصرختهم. وكذلك عندما بشّر النبي يونان أهل نينوى، «وبَلَغَ الخَبَرُ مَلِكَ نينَوى، فقامَ عن عَرشِه، وأَلْقى عنه رِداءَه وٱلتَفَّ بِمِسْحٍ وجَلَسَ على الرَّماد» (يونان 3: 6). وكانت النتيجة أنّ الله رأى توبتهم وأشفق عليهم.

بالتالي، في كل مرة كان الناس ينثرون الرماد على أنفسهم، ويتوبون عن خطاياهم، ويصرخون إلى الله طالبين الرحمة، كان الرب يسمع صراخهم وينقذهم من الهلاك. من هنا ندرك لماذا تتضمّن الصيغة الطقسية أيضًا كلمات الرب يسوع: «توبوا وآمنوا بالإنجيل».

فالرماد ليس إعلان يأس، بل دعوة إلى الرجوع، وإلى تجديد العهد مع الله.

البعد الروحي العميق

وقد لخّص القديس البابا يوحنا بولس الثاني معنى الرماد قائلًا:

«’قلبًا نقيًا اخلق فيَّ يا الله، وروحك القدوس لا تنزعه مني‘. نسمع هذه التضرّع يتردّد في قلوبنا، فيما نحن بعد لحظات سنتقدّم إلى مذبح الرب لننال الرماد على جباهنا، بحسب تقليد عريق جدًا في الكنيسة. إن هذا الفعل يحمل في طيّاته إشارات روحية عميقة، ويشكّل علامة مهمّة على الاهتداء والتجديد الداخلي. وفي ذاته، قد يبدو طقسًا ليتورجيًا بسيطًا، غير أنّه عميق جدًا لما يحمله من معنى في التوبة؛ فمن خلاله تُذكّر الكنيسة الإنسان، مؤمنًا كان أم خاطئًا، بضعفه أمام الشرّ، وباعتماده الكامل على عظمة الله اللامتناهية».

إنّ الرماد في الكنيسة الكاثوليكية ليس مجرد طقس خارجي، بل علامة كتابية عريقة تعبّر عن التوبة، والتواضع، والاعتراف بهشاشة الإنسان، والرغبة في نيل رحمة الله. إنه فعل بسيط، لكنه يحمل في عمقه صرخة قلب تقول: «قلبًا نقيًا اخلق فيّ يا الله».

المصدر: موقع أبونا