تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

بيتسابالا: الله مع ضحايا الحرب… وغزة تُترك للمأساة تحت التعتيم

البطريرك اللاتيني يحذر من توظيف الدين لتبرير الحرب
بيتسابالا: الله مع ضحايا الحرب… وغزة تُترك للمأساة تحت التعتيم

حذّر الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، من خطورة توظيف الدين لتبرير الحروب، مؤكدًا أن “الله مع الذين يموتون ويتألمون، لا مع من يسيئون استخدام اسمه”، وذلك خلال ندوة دولية تناولت الصراع في الشرق الأوسط. وأشار إلى أن العنف لم ينتج سوى مزيد من الدمار والخوف، في وقت يتراجع فيه الاهتمام الإعلامي بغزة رغم استمرار الكارثة الإنسانية، حيث يعيش ملايين النازحين في ظروف قاسية وسط دمار واسع ونقص حاد في الخدمات الطبية. كما لفت إلى تدهور الأوضاع في الضفة الغربية مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وتشديد القيود على الفلسطينيين، محذرًا من تداعيات قرارات إسرائيلية جديدة تمس الأراضي والتعليم، وتزيد من تعقيد الواقع اليومي، لا سيما على المؤسسات المسيحية.

ميلانو – (آسيا نيوز) – ترجمة "نبض الحياة - أكد الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، أن "إساءة استخدام اسم الله والتلاعب به لتبرير هذه الحرب أو أي حرب أخرى هو أخطر خطيئة يمكن أن نرتكبها في هذا الوقت". وأضاف أن "الحرب، قبل كل شيء، شأن سياسي تحكمه مصالح مادية واضحة، كما هو حال معظم الحروب، ويجب أن نبذل كل ما في وسعنا لعدم ترك مساحة لهذا الخطاب الديني الزائف، الذي لا يتحدث عن الله بل عنا نحن".

جاءت تصريحات بيتسابالا خلال مداخلة عبر الإنترنت من القدس، ضمن ندوة نظمتها في إيطاليا "مؤسسة الواحة الدولية" حول الصراع الدائر في الشرق الأوسط. وردًا على تصريحات وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، الذي استشهد خلال إحاطة بالمزمور 144 للدعوة إلى بركة إلهية للهجوم الجاري، قال: "كمؤمنين، علينا أن نفعل كل ما بوسعنا كي لا نترك الخطاب لهم.

 "لا حروب صليبية جديدة"

يجب أن نقول بوضوح: لا وجود لحروب صليبية جديدة. وإذا كان الله حاضرًا في هذه الحرب، فهو مع الذين يموتون ويتألمون ويعانون ويُضطهدون بمختلف الأشكال في الشرق الأوسط – ولا أتحدث عن طرف دون آخر". وأضاف: "هذا الصراع يحمل دلالات دينية، لكنها في الحقيقة توظيفات مشوّهة؛ فكل من يحاول إدخال الدين فيه إنما يستغل اسم الله".

وفي تعليقه على النداء الذي أطلقه البابا لاون الرابع عشر مجددًا، قال بطريرك القدس: "لقد رأينا خلال عقود من الصراع ما الذي أنتجته العنف: مزيدًا من الدمار الإنساني الذي نعيشه اليوم. كل ما يُبنى على العنف إلى زوال، ولا مستقبل له، بل يخلق فراغًا من حوله: خوفًا، ومرارة، وكراهية—وهي، بلغة مسيحية، تنتمي إلى عالم الموت، إذ تمنع الإنسان من رؤية أي شيء خارج ذاته".

وأضاف بنبرة حادة: "نعلم جيدًا أن نداء البابا صادق، لكننا نعرف أيضًا أنه لن يجد آذانًا صاغية. ومع ذلك، فما جدوى الكنيسة إن لم تتحدث عن واقع لم يوجد بعد؟ علينا أن نواصل قول هذه الأمور التي قد تبدو بعيدة، لكننا نؤمن بها لأنها حق. كما يجب أن نتكاتف ونعرف على من يمكننا الاعتماد للاستثمار في المستقبل".

وخلال الندوة، شدد الكاردينال على دور الإعلام في هذا النزاع، قائلًا: "التواصل جزء من الصراع؛ فهو وسيلة لنقله، لكنه أيضًا أداة لتبريره وجعله مقبولًا. لذلك، لا يقتصر دور الصحفيين على نقل الخبر، بل يتعداه إلى تمحيصه نقديًا، ومساعدة القارئ على فهمه، وتقديم قراءة دقيقة قدر الإمكان، أو على الأقل تمكينه من تكوين رأي نقدي وإصدار حكمه الخاص".

أوضاع إنسانية قاسية: نزوح ودمار وانهيار صحي

وفي هذا السياق، لفت إلى التعتيم الإعلامي الذي يحيط بغزة والضفة الغربية، موضحًا أن "غزة لم تعد حاضرة في النقاش العام، رغم أن الوضع الإنساني ما زال كارثيًا"، مشيرًا إلى تواصله المستمر مع رعية العائلة المقدسة في القطاع.

وأضاف: "لم تعد المشكلة تقتصر على الجوع، لكن هناك نحو مليوني نازح محرومين من كل شيء. نحو 80% من القطاع ما زال مدمّرًا، ولم تبدأ أي عملية إعادة إعمار. هناك 36 مستشفى تعمل جزئيًا، لكن الأدوية مفقودة، حتى المضادات الحيوية الأساسية. الناس يعيشون حرفيًا في المجاري، والصور لا تنقل الروائح. من الصعب تصور كيف ومتى يمكن إنهاء هذه المأساة، فيما لا تزال الجهات المعنية بالسلام عاجزة عن تحديد خطواتها. نحن أمام حلقة مفرغة: إذا لم تسلّم حماس سلاحها، لن تنسحب إسرائيل؛ وحماس لن تسلّم سلاحها ما لم تنسحب إسرائيل. كل شيء في حالة جمود".

واقع معقد يثقل حياة الفلسطينيين يوميًا

أما في الضفة الغربية، فأشار إلى أن "الوضع يتدهور باستمرار، إذ تسجل اعتداءات شبه يومية من قبل المستوطنين على القرى الفلسطينية. هناك الآن ما يقارب ألف حاجز، وما زال الفلسطينيون يواجهون صعوبات كبيرة في التنقل، فيما أُلغيت معظم التصاريح".

وفي ختام حديثه، أعرب بطريرك القدس عن قلقه من تداعيات قرارين حديثين للحكومة الإسرائيلية، يتعلقان بسجل الأراضي وعدم الاعتراف بالمؤهلات الأكاديمية الفلسطينية، موضحًا أن "العديد من الأراضي الفلسطينية غير مسجلة رسميًا، وما زالت خاضعة لأنظمة إدارية سابقة لعام 1967، ما يجعل الوضع شديد التعقيد".

وأضاف: "في مدارسنا، لدينا 232 معلمًا مسيحيًا من بيت لحم، نظرًا لعدم توفر كوادر في القدس، وهؤلاء لن يتمكنوا بعد الآن من الوصول. وهذا سيؤدي إلى أعباء مالية على عائلاتهم، كما سيخلق أزمة في المدارس التي لن تجد معلمين مسيحيين". وختم بالقول: "هذان مثالان فقط يوضحان مدى تعقيد الوضع الذي نعيشه جميعًا".