تطالعنا أيقونة «العشاء السرّي» بمشهد المسيح مع التلاميذ الاثنَي عشر، جالسين حول المائدة في عُلّيّة أحد المنازل، وهم يتناولون معًا «العشاء الأخير» قبل دخول يسوع في الآلام. وهي لا تروي حدثًا تاريخيًّا فحسب، بل تقدِّم حضورًا دائمًا للكنيسة.
داخل الكنيسة المشَيَّدة وفق التقليد البيزنطيّ، توضَع أيقونة العشاء السرّي غالبًا في أعلى «الأيقونستاسز-حاجز الأيقونات»، أو فوق الأبواب الملكيّة، لتؤكّد الصلة بين الحدث الإنجيليّ والليتورجيا الحيّة، كونها تشير إلى تأسيس سرّ القربان المقدّس «الإفخارستيّا» وحضور المسيح الخلاصيّ في الكنيسة، كما شرح الأب زياد قره قوشي الدومنيكيّ، المتخصِّص في الأيقونات المقدّسة.
وبيَّنَ كيف يتوسّط يسوع الأيقونة، وهو شخصيّتها المركزيّة، في موقع السيادة على رأس الطاولة، بحجمٍ أكبر من حجم التلاميذ، لإبراز أهمّيته. ورأسه، وحده، محاط بهالة، لأنّ الروح القدس لم يكُن قد حلَّ بعد على التلاميذ، مرتديًا، كالعادة، ثوبًا أحمر، رمزًا لألوهيّته، ورداءً أزرق رمزًا لناسوته، رافعًا يده في إشارة البركة، دلالةً على تأسيس سرّ الإفخارستيّا.
وفسَّر رمزيّة الطاولة التي تضمّ خبزًا وخمرًا وشموعًا وسكّينًا كبيرًا، وقطعة خبز أمام كلّ تلميذ. فالخبز يُشير إلى جسد الربّ، والخمر إلى دمه، دم العهد الجديد، والشموع إلى حضور النور الإلهيّ وتأكيدًا للبُعد الليتورجيّ (القدّاس). وتابع: «أمّا السكّين فهو لأجل الذبيحة، وفيما يظهر الحَمَلُ الفصحيُّ على المائدة في بعض الأيقونات، ففي هذه يسوع هو الحَمَل، والسكّين هنا هي إشارة إلى ذبيحته على الصليب. فالمائدة إذن ليست مجرّد طعام، بل هي علامة الاحتفال الليتورجيّ الذي سيجعل التلاميذ في شركة دائمة مع معلِّمهم، بتناولهم الخبز والخمر».
تنفتح الأيقونة أمام المشاهد لتعطيه فرصة الدخول في عمق الحَدَث، وكأنّها تدعونا إلى الدخول والمشاركة في السرّ، مع الرسُل الظاهرين بملامح تأمّليّة، حواريّة، «بعضهم يتساءل، في إشارةٍ إلى إعلان الخيانة، وآخرون ينصتون، علامةً على قبول السرّ».
وأوضح أنّ جلوس التلاميذ يوضح دورهم ومكانتهم. فبطرس على يمين يسوع مباشرةً، وعلى يساره يوحنّا الإنجيليّ، التلميذ الحبيب، ويظهر عادةً متّكئًا على صدر يسوع بحثًا عن الراحة أو استقراءً للأسرار الإلهيّة الكامنة في قلبه، وعلامةً على علاقة المودّة والقرب من المعلّم.
يجلس فيليبس وتوما على طرَفَي المائدة الأبعد عن يسوع، فهما أصغر التلاميذ سنًّا، ما تبرزه الأيقونة عبر غياب اللحية لدى كليهما. ومثلهما يهوذا الإسخريوطيّ، المتميِّز بانحنائه إلى الأمام ليغمس قطعة الخبز الخاصّة به في وعاء التغميس المشترك، وبوضعيّة جسده المنفصلة قليلًا عن سائر التلاميذ، في إشارةٍ إلى انفصاله عنهم وإلى أنّ الخيانة تحدث داخل الجماعة وليس خارجها.
وقال قره قوشي ختامًا إنّ هذه الأيقونة ليست مجرّد قطعةٍ فنّيّة، بل هي لاهوتٌ نطقته الألوان، يدعونا إلى المشاركة في المائدة الإلهيّة. «في كلّ قدّاس، يدخل كلّ مؤمن في شركة مع الكنيسة (جماعة الرسُل)، إذ يجلس على مائدة يسوع الواحدة (الإفخارستيّا) مع المعلِّم الذي يجمع في جسده كلّ مَن يتقاسم جسده ودمه».
المصدر: آسي مينا / جورجينا حبابه