تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

من سجون إدلب إلى نور الكهنوت: دعوة الأب جوني الداود التي تنكسر أمام الحرب

موقع أبونا

في منطقة حمص، في قلب سوريا التي أنهكتها الحرب، يجسّد الأب جوني الداود دعوة كهنوتية صاغتها الأمانة والألم والرجاء. فهذا الكاهن السرياني الكاثوليكي هو واحد من أولئك الذين تحوّلت حياتهم، بعد سنوات من الحرب والأسر، إلى شهادة حيّة على إيمان لم ينكسر حتى في أحلك اللحظات.

وُلد جوني الداود عام 1984 في دمشق، ونشأ في بلدة مسكنة الصغيرة التابعة لمحافظة حمص، في عائلة مؤمنة تنتمي إلى الكنيسة السريانية الكاثوليكية. ويقول في حديثه لموقع أليتيا: «تعلّمتُ أسس الإيمان المسيحي في منزلي وفي مركز التعليم المسيحي التابع لرعيتنا الصغيرة. ومنذ طفولتي أحببتُ الخدمة في الكنيسة».

وقد بدأت الدعوة الكهنوتية تنمو في قلبه منذ سنواته الأولى، بتشجيع من عمه، الكاردينال الراحل موسى الأول داود، أحد أبرز وجوه الكنيسة السريانية الكاثوليكية. أمضى ثلاثة عشر عامًا في الإكليريكية، ونال إجازة في الفلسفة واللاهوت، فيما كان شوقه إلى خدمة الله يزداد رسوخًا عامًا بعد عام.

الحرب تقلب حياته

لكن الحرب السورية غيّرت كل شيء. فمع اندلاع الحرب الأهلية عام 2012، دُمّر منزل عائلته في مدينة حمص على يد قوات المعارضة، شأنه شأن كثير من الأحياء ذات الغالبية المسيحية، واضطرت العائلة إلى النزوح.

ويقول الأب جوني: «دُمّر منزلنا في حمص، وأُجبرنا، مثل بقية السكان، على مغادرة المدينة».

وبالنسبة إليه، شكّل ذلك بداية رحلة قاسية، إذ اضطر إلى الابتعاد عن زوجته ستيلا، التي كانت تنتظر مولودهما الأول، بعدما استُدعي لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية. وتجدر الإشارة إلى أن الكنيسة السريانية الكاثوليكية تسمح بسيامة رجال متزوجين كهنة.

أسير لدى جبهة النصرة

في عام 2015، كانت محافظة إدلب إحدى أكثر ساحات الحرب اشتعالًا. وكان مطار أبو الظهور العسكري، حيث خدم جوني ضابطًا، من آخر مواقع الجيش السوري في شمال البلاد. وبعد أشهر من الحصار، شنّت جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة آنذاك، مع حلفائها الهجوم الأخير على المطار في 9 أيلول 2015.

ويروي الأب جوني: «كنّا ثلاثمئة جندي فقط في مواجهة أكثر من خمسة آلاف مهاجم. وبعد انتهاء المعركة، لم يبقَ على قيد الحياة سوى ثمانية وثلاثين جنديًا، وجميعهم كانوا مصابين بدرجات متفاوتة. ثم وقعنا في الأسر».

بدأت بعد ذلك واحدة من أقسى مراحل حياته.

عشر سنوات قضاها في ظروف اعتقال قاسية، وسط نقص شديد في الطعام والمياه، وغياب شبه كامل للرعاية الطبية، ومن دون أي وسائل للنظافة الشخصية، داخل زنزانات تحت الأرض لم يرَ فيها نور الشمس.

ويقول الأب جوني حول هذه المرحلة العصيبة: «ربما كان الانقطاع الكامل عن العالم الخارجي أصعب ما اختبرته. طوال عشر سنوات مُنعنا من تلقي أي خبر عن الخارج، ولم نكن نعرف إن كان أهلنا ما زالوا على قيد الحياة».

ومع مرور السنوات، بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبه.

ويعترف: «خلال السنوات الأولى، استطعت أن أبقى ثابتًا في إيماني. لكن مع مرور الوقت، بدأت الشكوك تتسلل إلى قلبي. تحوّلت صلاتي إلى عتابٍ لله، لأنني شعرت أنه تركني ولم يتدخل في حياتي. أين هو الراعي الصالح الذي لا يترك خرافه؟ هل تخلى عني حقًا؟ لماذا تسمح لي بأن أتألم؟ شيئًا فشيئًا بدأت أفقد الرجاء، حتى توقفت عن الصلاة».

«قريبًا ستكون في بيتك»

لكن كل شيء تغيّر ذات ليلة.

يقول الأب جوني: «رأيتُ في الحلم رجلًا مسنًا يرتدي ثوبًا أبيض. كان وجهه يحمل حنانًا كبيرًا وإرهاقًا عميقًا، لكنه كان يحمل أيضًا بصيص أمل. وسمعته يقول لي: "قريبًا ستكون في بيتك"». ويضيف: «في ذلك اليوم عاد إليّ الشوق إلى الصلاة، وبعد أيام قليلة بدأنا نسمع ما يجري في الخارج. عندها أدركت أن ما نعدّه مستحيلًا في حياتنا ليس مستحيلًا عند الله».

ومع انهيار النظام السوري، دخلت البلاد مرحلة انتقالية مضطربة، أُطلق خلالها سراح عدد كبير من المعتقلين الذين كانوا محتجزين لدى الجماعات الجهادية، ومن بينها جبهة النصرة. عندها عاش الأب جوني لحظة وصفها بأنها «قيامة»، حين التقى أخيرًا بزوجته ستيلا وابنه جاك بعد سنوات من الغياب. وقال: «عندما التقيتهما أخيرًا، شعرتُ أنني نلت مكافأة كل سنوات الألم وكل الصلوات... كان ذلك اللقاء انتصاري الأكبر».

كاهن لشعب جريح

في حزيران 2026، رُسم الأب جوني داود كاهنًا، وعاد إلى خدمة الرعية السريانية الكاثوليكية في حمص، المدينة التي ما تزال تحمل جراح الحرب. ويؤكد أنه يسعى إلى أن يكون أكثر من مجرد مرشد روحي، فيقول: «أحاول أن أجعل رسالة الكنيسة تتفاعل مع أسئلة الشعب السوري وجراحه، من الهجرة إلى الأزمة الاقتصادية وتحديات الهوية».

وإلى جانب خدمته الرعوية، يعمل الأب جوني على إعداد العلمانيين، انطلاقًا من قناعته بضرورة مشاركة الجميع في إعادة الإعمار. وأمام الصدمات النفسية التي خلّفتها الحرب، يولي اهتمامًا بالصحة النفسية لأبناء رعيته، ولا يتردد في التعاون مع اختصاصيين لتقديم الدعم والمساندة والتعزية لهم.

ورغم شهادته المفعمة بالرجاء، لا يخفي الأب جوني قلقه على مستقبل المسيحيين في سوريا.

ويقول: «لقد عانى المسيحيون كثيرًا بسبب الحرب، وما تزال جراح كنيستنا مفتوحة. واليوم أصبح الوجود المسيحي مهددًا حقًا، ليس فقط بسبب الأوضاع السياسية والاجتماعية، بل خصوصًا بسبب الهجرة المستمرة للمسيحيين».

ويحذّر من أن استمرار الهجرة بالمعدل نفسه قد يقود إلى اختفاء الوجود المسيحي في سوريا، مشيرًا إلى أن المسيحيين كانوا يشكلون نحو 10% من سكان البلاد قبل الحرب، بينما لا تتجاوز نسبتهم اليوم 2 إلى 3%، أي بانخفاض يراوح بين 70 و80% خلال العقدين الماضيين.

المصدر: موقع أبونا