القدس - في ظل الجدل المتصاعد حول إقرار الكنيست الإسرائيلي مؤخرا لقانون يسمح بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، يبرز صوت الكنيسة الكاثوليكية كمرجع أخلاقي وروحي يدافع عن قدسية الحياة وكرامة الإنسان. هذا القانون لا يثير فقط أسئلة قانونية وسياسية، بل يضع أمام المؤمنين تحدياً عميقاً حول معنى العدالة والرحمة في زمن النزاعات.
في حديث صحفي، أوضح الأب برنارد بوجي، رئيس المعهد الإكليريكي البطريركي في بيت جالا (السيمينير)، موقف الكنيسة الكاثوليكية من عقوبة الإعدام، مسلطًا الضوء على الدور الذي يمكن أن يلعبه الإيمان المسيحي في توجيه المجتمع نحو بدائل تعزز السلام والمصالحة بدلًا من استمرار دائرة العنف.
وأكد الأب بوجي أن الحياة البشرية عطية إلهية لا يجوز المساس بها، مشددًا على أن أي مسعى لتطبيق عقوبة الإعدام يتعارض مع القيم الإنجيلية والأسس الأخلاقية.
وأشار إلى أن الكنيسة تنطلق في موقفها من سفر التكوين، الذي يؤكد أن الإنسان مخلوق على صورة الله، ويحمل كرامة أصلية وحقوقًا لا تُنتزع إلا من الله وحده. وقال: «الصورة الإلهية في الإنسان تمنحه قدسية وجوهرًا مقدسًا، وهذا ما يجعل الوصية "لا تقتل" أحد المبادئ الجوهرية في الوصايا العشر«.
وأوضح الأب بوجي أن مفهوم الحياة المقدسة يمتد ليشمل جميع البشر، مشيرًا إلى حادثة قائين وهابيل، حيث عاقب الله قائين بالطرد بعد قتله أخاه، كدليل على أن الموت البشري ليس من حق الإنسان. وأضاف: «الكنيسة تحافظ على أهمية الحياة، وتعتبرها قيمة مقدسة يجب صيانتها، وليس من حق أي سلطة أن تفرض الموت كعقوبة«.
«تدعو الكنيسة الكاثوليكية في تعليمها الرسمي، كما ورد في الرقم 2267 من التعليم المسيحي، إلى رفض عقوبة الإعدام، باعتبارها انتهاكًا لكرامة الإنسان. ويشدد التعليم على التزام الكنيسة بالعمل من أجل إلغاء هذه العقوبة في جميع أنحاء العالم، وتعزيز الوعي العام حول قدسية الحياة«
![]()
وأشار الأب بوجي إلى تجربة الراهبة الأمريكية البارزة هيلين بريجان، التي التقاها وعملت مع المحكومين بالإعدام في الولايات المتحدة، وألّفت كتابها الشهير «رجل ميت يمشي» عام 1993، والذي تحوّل لاحقًا إلى فيلم سينمائي عام 1995 يحمل الاسم نفسه. وأضاف الأب بوجي: «من خلال تجربتها، يتضح كيف تؤثر عقوبة الإعدام على المحكوم عليهم وعائلاتهم، وتثير تساؤلات أخلاقية عميقة حول العدالة والرحمة. فحتى في أقسى الظروف، يبقى السجناء محتفظين بكرامتهم الإنسانية، وهذه الكرامة لا يسلبها إلا الله».
في سياق التحليل الأخلاقي والسياسي، حذر الأب بوجي من أن استخدام عقوبة الإعدام كأداة رادعة أو سياسية يمكن أن يؤدي إلى تشويه العدالة. وقال: «اليوم، مفاهيم العدالة تتعرض للتشويه في العديد من الدول، حيث تُبنَى على مصالح سياسية بدلاً من القيم الإنسانية والأخلاقية. الانتقام يصبح السائد، وفي كثير من الأحيان يُعاقب الأبرياء ككبش فداء«.
وأضاف: «الانتقام لا يحقق العدالة، كما قالت الأم تيريزا: العين بالعين والسن بالسن يهلك العالم كله. العقوبة القصوى تحرم الإنسان من فرصة التوبة وتصحيح أخطائه، وتغلق الباب أمام الرجاء». وأكد أن كل إنسان يخطئ، وأن العقوبة يجب أن تكون وسيلة لإصلاح الخطأ لا للانتقام، مشددًا على أن العقوبة القصوى مثل الإعدام تمنع هذا الإصلاح.
كما نبه الأب بوجي إلى الخطر السياسي المرتبط بهذه العقوبة، خاصة في مناطق النزاع. وقال: «في الشرق الأوسط، من يختلف سياسيًا أو فكريًا مع النظام قد يصبح هدفًا للاستهداف بسبب آرائه. هذا يهدد حرية التعبير ويقوض قدرة المجتمع على بناء العدالة والمصالحة«.
وتطرق الأب بوجي إلى الأبعاد الإنسانية في تطبيق هذه العقوبة على الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن السجون الإسرائيلية مليئة بأشخاص لم تتح لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم أو من ينوب عنهم. وأوضح: «القوانين الجديدة التي تفرض عقوبة الإعدام تزيد من خطر قتل الأبرياء وتوسع الفجوة بين المجتمعات، بدلًا من تعزيز المصالحة والرحمة«.
وحول الأثر الروحي، قال الأب بوجي: «نحن نعيش الأسبوع المقدس، وهو ذكرى محاكمة يسوع وصلبه، الذي كان ضحية قوانين استخدمت بطريقة خاطئة. يسوع لم يدافع عن نفسه ولم يهدد تطبيق القانون، لكنه قدّم مثالًا للمسامحة والحياة». وأضاف: «الكنيسة تدعو إلى احترام حياة الإنسان كأساس للسلام الحقيقي والمجتمع العادل. العدالة الحقيقية تتحقق في الحياة، لا في الموت، ويجب فتح باب الرجاء أمام كل إنسان ليعود من أخطائه«.
وأشار إلى أن الرسالة الكاثوليكية موجهة ليس فقط للمؤمنين، بل للعالم بأسره: «الأرض المقدسة تحتاج إلى نور، وليس إلى ظلام؛ إلى حياة، وليس إلى دم. الرسالة واضحة: حياة الإنسان مقدسة، والمغفرة مطلوبة في كل لحظة«.
واختتم الأب برنارد بتأكيد البعد اللاهوتي: «الإنسان مخلوق على صورة الله، والمسيح قدم الفداء للبشرية. كل شخص مدعو للحياة الأفضل، ونذكّر بأن يسوع مات ليغفر الخطايا، وهو المثال الأعظم على الرحمة والقدرة على التغيير«.
رسالة الكنيسة للرحمة والعدالة
موقف الكنيسة الكاثوليكية من عقوبة الإعدام ليس مجرد رفض فردي، بل هو موقف مؤسسي عالمي يعكس التزامها بحماية الحياة وتعزيز العدالة الإنسانية، انطلاقًا من التعاليم الإنجيلية والقيم الأخلاقية التي تؤكد الكرامة الجوهرية لكل إنسان.
يؤكد هذا الموقف أن الحياة البشرية عطية مقدسة لا يحق لأحد أن يسلبها، وأن تشريع عقوبة الإعدام، خصوصًا في سياق النزاعات، لا يفتح بابًا للعدالة بل يكرّس دائرة العنف واليأس.
الكنيسة تدعو المؤمنين في كل مكان ليكونوا شهودًا للرحمة، ويرفعوا صوتهم دفاعًا عن الكرامة الإنسانية، مؤكدين أن العدالة الحقيقية تُبنى على المصالحة والاعتراف بإنسانية الآخر، لا على الموت. هذه الرسالة تحملها الكنيسة إلى العالم: اختيار الحياة دائمًا، حتى وسط الظلام.
المصدر: EWTN News، وقد جرى ترجمتها وتكييفها من قبل "نبض الحياة".