Skip to main content

سمعان القيروانيّ… رجُلٌ حمَلَ صليبًا فحَملَهُ المسيح

اسي مينا

بقلم : د. آمال شعيا

في درب الجلجثة، لم يكن صليب المسيح مجرّد خشبة تُحمَل، بل كان اختصارًا لكلّ ألمٍ بشريّ، وكلّ دمعة خفيّة، وكلّ جرح لا يراه أحد. وبين صخب الجنود وثقل الطريق، برز سمعان القيروانيّ شخصًا عابرًا في المشهد، غير أنّ حضوره تحوّل إلى علامة رجاء. لم يكن من التلاميذ، ولم يطلب هذا الدور، لكنّه صار مثالًا حيًّا لإنسان يُشارك المسيح حِملَه، فيُقاسمه الألم ويُخفّف الثقل عن قلب المصلوب، معلِّمًا إيّانا أنّ الإيمان الحقيقيّ لا يُقاس بالكلمات، بل بالمواقف.

يُخبرنا الإنجيل أنّ القيروانيّ سُخِّرَ لحمل الصليب (لو 23: 26). قد يبدو المشهد في ظاهره فرضًا قسريًّا، غير أنّه في عمقه يكشف سرّ المشاركة. فكم مرّة نجد أنفسنا أمام آلامٍ لم نخترها، وأحمالٍ لم نطلبها، لكنّها تصبح طريقنا إلى لقاء المسيح في وجوه المتألّمين؟ لقد حمل سمعان صليبًا لم يكن له، فتحوّل حمله إلى شركةٍ في الفداء، وصار تعبه صلاةً صامتةً تسير خلف يسوع.

يُذكّرنا هذا الحدث بأنّ حمل صليب الآخَر ليس تضحيةً عابرةً، بل دعوةٌ دائمة إلى القرب، والإصغاء، والمساندة، وإلى وضع أكتافنا تحت أثقال مَن حولنا. فالكتاب المقدّس يوصينا: «احملوا بعضكم أثقال بعضٍ، وهكذا أكملوا ناموس المسيح» (غلا 6: 2). من هنا، يُصبح كلّ عمل رحمةٍ، وكلّ كلمة تعزيةٍ، وكلّ حضورٍ صادقٍ، مشاركةً حقيقيّةً في سرّ الصليب. لم يُعرف سمعان بكثرة كلامه، بل بالفعل الذي غيَّر لحظةً في طريق الآلام.

واليوم، كلّ واحدٍ منّا مدعوٌّ إلى أن يكون «سمعانًا صغيرًا» في حياة من حوله: أن يرى الألم قبل أن يُطلب منه، أن يُبادر قبل أن يُسأل، وأن يحوِّل أوجاع الآخرين إلى مساحة حبٍّ وخدمة. وعندما نحمل صليب غيرنا، نكتشف أنّ المسيح هو أوّل من يحملنا.

يا ربّ، علِّمنا على مثال سمعان أن نشاركك حمل صليب الآخرين، فنخفّف عنهم الألم، ونحوّل أوجاعهم إلى فرصة لاختبار محبّتك الحاضرة في كلّ إنسان، آمين.

المصدر: آسي مينا