Aller au contenu principal

تأملات من الأرض المقدسة: عيش أسبوع الآلام – المعنى الحقيقي لعيد الفصح

سامي

الوكيل العام للبطريركية اللاتينية، سامي اليوسف - لأكثر من شهر، نعيش في الأرض المقدسة أصعب وأخطر فترة في زمننا هذا، مرات عديدة خلال اليوم، تعترض أصوات صفارات الإنذار مسار حياتنا اليومية وتوجهنا إلى الملاجئ، وتليها أصوات الصواريخ، واعتراضاتها، الطائرات الحربية التي تحلق على ارتفاع منخفض جداً فوق رؤوسنا، ثم الانفجارات؛ بعضها بعيدة، وأخرى قريبة لدرجة أن المبنى يهتز، ويليها التوجه نحو وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات التلفاز لمعرفة المزيد عن حجم التأثير والدمار، تتوالى التكهنات، ويصبح الدافع الأكبر هو الاطمئنان على سلامة أحبائنا.

فالسؤال الأكثر تكراراً في أذهاننا جميعاً هو: إلى أين تتجه هذه الحرب، وما ستكون نتيجتها النهائية؟

بالنظر إلى تجربتنا الأخيرة في غزة، يثير القلق أن تنتهي الأمور لتبدو العديد من المناطق في الشرق الأوسط كما هي غزة اليوم، وأن الإنسانية – إذا كانت هذه الكلمة لا تزال موجودة في قاموسنا – كان ينبغي أن ترى في مستوى الدمار والخسائر البشرية في غزة أمراً يخجل العالم بأسره من حدوثه، لا مثالاً يُفتخر بتكراره في أماكن أخرى. إن عالم معوج بالفعل، وأمامنا جميعًا الكثير من العمل، سواء في زمن الحرب أو السلم، لإعادة هذا العالم إلى إنسانيته الحقيقية.

منذ اليوم الأول للحرب، كان واضحاً جداً أن هذه ستكون حرباً طويلة وصعبة، حرباً ستفرض تحديات كبيرة على مستوى العالم. وبفضل خبرتنا الطويلة في التعامل مع الحروب والانتفاضات والأزمات وكل ما بينهما، اكتسبنا، للأسف، خبرة حول ما يتعين علينا القيام به كعاملين في الكنيسة.

علمتنا الحياة الصعبة في الأرض المقدسة أن أسبوع الآلام يتكرر كل أسبوع، وأن علينا أن نكون على قدر المسؤولية في كل حين. وقد أظهر موظفونا بطولة حقيقية بعودتهم إلى العمل بكامل طاقتهم خلال أسبوع واحد فقط من بدء الحرب.

فقد أدركوا تماماً أنه إذا لم يكونوا على مكاتبهم، فإن مئات بل آلاف من الأشخاص الذين يعتمدون على الدعم الرعوي والتعليمي والإنساني الذي تقدمه البطريركية اللاتينية سيُحرمون من الحصول على الخدمات الأساسية، ولهذا لم يكتفوا بالعمل عن بُعد من المنزل، بل واصلوا دوامهم في المكاتب بكل تفانٍ.

إن الشجاعة وروح العطاء التي شهدناها كانت جديرة بالإعجاب حقاً. فبالنسبة للعديد من الآباء والأمهات الشباب، كان ذلك يعني ترك أطفالهم خلفهم يتابعون دروسهم عبر الإنترنت، بالإضافة للمخاطرة التي يمكن ان يتعرضوا لها أثناء التنقل إلى العمل في ظل احتمال انطلاق صفارات الإنذار في أي لحظة، والتعامل مع ما يحدث خلال التواجد في العمل والانقطاع المتكرر خلال اليوم بسبب صفارات الإنذار والانفجارات.

وبالنسبة لي، فإن هذا لا يعكس فقط تفاني والتزام موظفينا، بل يجسد فهماً حقيقياً لمعنى أن تكون عاملاً في الكنيسة في أوقات الأزمات؛ وقتٌ نفكر فيه بالآخرين ونعتني بهم قبل أن ننظر لأنفسنا، لذلك، نحن فخورون جداً بأن العمل استمر دون انقطاع رغم كل هذه التحديات.

تعاني البلدة القديمة في القدس، بسبب طبيعتها التاريخية وتعقيدها المعماري، من غياب المزايا التي تتمتع بها الأحياء الحديثة في القدس، حيث تفتقر إلى الملاجئ العامة، ولذلك، فقد خضعت لإجراءات أكثر صرامة من قبل قيادة الجبهة الداخلية مقارنة بأي منطقة أخرى، فهنا توقفت الحركة التجارية بشكل كامل، حيث أُغلقت جميع المتاجر منذ بداية الحرب باستثناء محلات المواد الغذائية والصيدليات.

كما أُغلقت الأماكن المقدسة للديانات الثلاث بشكل محكم، بما في ذلك كنيسة القيامة، المسجد الأقصى، و حائط المبكى، فالأمر المُحزن في هذا أن كل ذلك حدث خلال فترة الأعياد الدينية المهمة للجميع، وهي نهاية شهر رمضان المبارك، وعيد الفصح اليهودي، وعيد الفصح المسيحي. فلم يعد لدى المؤمنين مكان يقصدونه للصلاة والتأمل.

وقد تصاعدت التوترات وسط هذا الإحباط، ووقعت بعض الأحداث، من بينها قيام عناصر من الشرطة بمنع غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، وحارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو يلبو، من التوجه إلى كنيسة القيامة في أحد الشعانين.

تفاقمت تلك الحادثة بسرعة مع تدفّق الدعم من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك من مسؤولين رفيعي المستوى، وسرعان ما تم احتواء الوضع من قبل الجهات المختصة، حيث تم التوصل إلى اتفاق حول إقامة الاحتفالات الليتورجية خلال أسبوع الآلام، مع احترام تعليمات الطوارئ الصادرة عن قيادة الجبهة الداخلية في الوقت نفسه.

وإذا كانت هذه الحادثة تدل على شيء، فهي تدل على أننا لسنا وحدنا، وأن العالم يهتم بنا وبشؤوننا وبالحفاظ على الأماكن المقدسة لتبقى منارات للرجاء، وأماكن يتطلع إليها العالم بأسره ويوجه نحوها صلواته في الأوقات العادية والاستثنائية.

لقد كانت درساً سريعاً في التاريخ، في الأهمية والاحترام، في التنسيق والتواصل، كما كانت تذكيراً آخر بضرورة أن يدرك الجميع أهمية القدس لجميع الأديان، والحاجة إلى احترام التقاليد والمساحة الخاصة لكل ديانة، وهي أيضاً تذكير واضح بأن القدس يجب أن تبقى مدينة مفتوحة ومشتركة للجميع، فلا يمكن قبول أي حقوق حصرية لأي دين من قبل المؤمنين من جميع الأديان حول العالم.

هذا العام سيكون أسبوع الآلام في القدس حزيناً جداً في غياب عشرات الآلاف من الحجاج الذين اعتادوا السير في أزقة البلدة القديمة، متحدثين بعشرات اللغات، ومرتلين ترانيمهم على طول الطريق، ومع ذلك، يجب ألا ننسى أبداً المعنى الحقيقي لهذا الموسم لدى جميع الديانات التوحيدية.

فشهر رمضان، وعيد الفصح اليهودي، وعيد الفصح المسيحي، هي أزمنة يعود فيها الإنسان إلى جوهر المعنى الحقيقي لهذه المناسبات، ففي كل تقليد ديني، يصلي المؤمنون من أجل السلام والخير العام، ويقدمون التضحيات لمساعدة الأشخصا الأقل حظاً، ويسعون إلى جعل هذا العالم مكاناً أفضل.

وخلال هذا الموسم، نبحث عن حياة جديدة وبداية جديدة على الرغم من قسوة أحداث أسبوع الآلام في حياة مخلصنا يسوع المسيح، فعيد الفصح يمثل نهاية وبداية جديدة تتسم بالرجاء على الرغم من قسوة ظروف الحرب التي نعيشها وحالة عدم اليقين التي نواجهها، فهذا العيد يحمل معه شعوراً بالأمل بأن الخير ما زال موجوداً في هذا العالم.

نتمنى فصح مجيد لجميع أصدقائنا وداعمينا حول العالم، إن دعمكم المعنوي والمادي إلى جانب صلواتكم المستمرة، يمنحنا الأمل ويشجعنا على الاستمرار في السير على خطى الرب. ولن نخيّب ظنكم!

المصدر: البطريركية اللاتينية.