Aller au contenu principal

نزع السلاح وتحريم الحرب: نظرة مسيحية كنسية أخلاقية

رائد

بقلم: الأب رائـد أبو ساحلية

إن موقف الكنيسة واضحٌ جليٌّ لا لبس فيه فهي تدعو إلى تجنب الحروب وحل النزاعات بالطرق السلمية والحد من سباق التسلح الذي وصل على مستويات جنونية يمكن أن تدمِّر الأرض وتبيدُ البشرية.


ولكن للأسف فإن دعواتها المتكررة لم تجد آذاناً صاغية، فقد تغلبت إرادة الحرب على الرغبة في السلام. لذلك فإنها تُحمِّل رؤساء الدول المسؤولية أمام الله وأمام التاريخ. 
وينبع هذا الموقف من تعليم الكنيسة الواضح والصريح المعلن عنه منذ عقود وخاصة في وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، وبالذات في الدستور الرعوي حول "الكنيسة في العالم المعاصر"، فالفصل الخامس منه مخصص لمناقشة موضوع "صون السلام وبناء جماعة الأمم". ففي هذه الوثيقة نجد تعليماً دقيقاً حول الحرب والسلام، نود التذكير به لعرض الركائز الثابتة التي يستند عليها موقف الكنيسة.


التركيز على جوهر السلام: ليس السلام مجرد عدم وجود الحرب وهو لا يقتصر فقط على تأمين توازن القوى المتخاصمة، كما أنه ليس ثمرة سيطرة استبدادية. بل أن السلام كما وصف بحق "عمل عدالة" (أشعيا 32: 17). فالسلام اذن ليس بالشيء المطلق الذي يكتسب دفعة واحدة بل يجب بناؤه بلا انقطاع، عن طريق مراقبة الإنسان لأهوائه واحترام سائر البشر والشعوب ومراعاة كرامة الجميع، والمثابرة على معاملة الناس بروح الأخوة. وهكذا يكون السلام أيضاً "ثمرة المحبة" التي تتجاوز بكثير ما تستطيع العدالة أن تعمله.


تجنب الحرب: وذلك بسبب ما جرته الحروب الأخيرة على عالمنا من أضرار فادحة مادية وأدبية. كما أن استخدام الأسلحة العلمية من كل نوع في الحروب قد يؤدي إلى الوحشية ويستدرج المحاربين إلى الهمجية: "إن التقدم في الأسلحة العلمية يزيد بشكل مفرط بشاعة الحرب وفسادها. وعندما تستخدم الأسلحة الحديثة في العمليات الحربية، فإنها تحدث دماراً بالغاً دون تمييز، فإذا استعملت الدول الكبرى في سبيل ذلك كل ما اختزن لديها من أدوات الحرب المكدسة لأدى ذلك لإبادة شاملة كاملة ومتبادلة تصيب الأطراف المتنازعة بخلاف ما تصيب به العالم من خراب متعدد الأشكال وافناء كامل مشترك للجانبين دون ذكر الاحتياجات التي تتبع ذلك عالمياً والآثار البغيضة المترتبة على استخدام هذه الأسلحة". خاصة إذا استخدمت الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية.


كل ذلك يدفعنا إلى أن نعيد النظر في الحرب بروح جديدة كلية:
- نزع السلاح من جميع الدول دون استثناء: لأن سباق التسلح جرح خطير جداً في جسم الإنسانية وهو يصيب الفقراء بشكل غير جائز، ويخشى كثيراً أنه لو استمر ذلك فإنه سيولد نكبات مهلكة. فإن تكديس السلاح بشكل متزايد وتطويره بحيث يصبح أكثر دماراً قد يؤدي إلى تخويف الأعداء وبالتالي الاحتفاظ بالسلام عن طريق التوازن في القوة إنطلاقاً من المبدأ الروماني "إن أردت السلم فحضر للحرب. إلا أن الخبرة تعلمنا بأن القوي يزداد قوة وبطشاً والضعيف يزداد ضعفاً رغم محاولاته التزود بالسلاح مما يستنفذ ثرواته الطبيعية والبشرية مما يزيدها فقراً ويجعلها تحت رحمة الدول القوية التي تبيعها السلاح وتغرقها بالديون. كما أن هذه الحلقة المفرغة من العنف المتصاعد تجعل من المستحيل إمكانية التوقف إلى ما لا نهاية. 


- وبما أن السلام ينبغي أن يتأسس على الثقة المتبادلة بين الشعوب وألا يفرض على الدول عن طريق التخويف بالسلاح، لذا يجب على الجميع أن يعملوا على وضع حد لسباق التسلح. وإذا شئنا أن يبدأ انخفاض التسلح فعلاً، فلا يمكن أن يكون هذا التصرف من جانب واحد، بل من جميع الأطراف وبنسبة متساوية بموجب اتفاقيات مبرمة بين الجميع ومؤيدة بضمانات حقيقية ومجدية.


- تحريم الحرب تحريماً مطلقاً والعمل الدولي لتجنبها: إن كل حرب انتصار لقوى الشر على قوى الخير وهزيمة لإنسانية الإنسان، فبدلاً من اللجوء إلى العقل والمنطق ولغة الحوار فإنه يلجأ إلى منطق لا بل جنون القوة والسلاح. لذلك يجب التوصل إلى اللحظة التي يمكن فيها منع كل حرب علىالاطلاق بموافقة اجماعية لكل الدول وهذا الأمر يستوجب دون شك إقامة سلطة عامة عالمية معترف بها من الجميع تتمتع بقدرة فعالة جديرة بأن تكفل للجميع الأمن ورعاية حرمة العدالة وضمان الحقوق، شريطة أن تكون سلطة شرعية عادلة لا تسيطر عليها أية دولة.


وبعد هذه المباديء الأخلاقية فإن الكنيسة تحمل قادة الشعوب ورؤساء الدول المسؤولية كاملة عن الحروب لأن بيدهم الحل والربط: "فليذكر القادة بأن عليهم أن يؤدوا حساباً عسيراً من أجل أعمال الحرب. لأن مجرى العصور القادمة يتوقف إلى حد كبير على ما يتخذونه اليوم من قرارات". كما أن اساقفة العالم بأسره مجتمعين بصوت واحد: "يناشدون البشر جميعاً، ولا سيما رؤساء الدول والسلطات العسكرية، أن يزنوا في كل لحظة مسئولياتهم هذه الجسيمة أمام الله والإنسانية بأسرها".


وبناء على ما تقدم، وانطلاقاً مما يحدث في هذه الأيام العسيرة، فإني أرى بأن ما حذرت منه الكنيسة يحدث على أرض الواقع كل يوم ونشاهده أمام أعيننا على شاشات التلفاز في بث حي ومباشر، فقد "وقعت الفأس في الرأس" بسبب غطرسة القوة وانفراد بعض دول بالتصرف في مصائر ليس فقط شعوبها بل شعوب العالم بأسره، وهذا تدخل سافر في شؤون الآخرين. كما أن عجز الهيئة الدولية المتمثلة في الأمم المتحدة وفشل مجلس الأمن في حل الأزمة سلمياً، جعل الحق يسقط في يد القوة العسكرية الغاشمة. 


من هنا الدعوة الملحة بأن يتدارك العالم نفسه ويعيد النظر في شؤونه فلا يدع مصير العالم ومستقبل الشعوب بيد قلة من المتجبرين المتغطرسين بل يعيد الأمور إلى نصابها بسيادة القانون الدولي حيث تكون كل الشعوب متساوية أمام الله والقانون: إعادة تشكيل الأمم المتحدة وإلغاء حق النقد الفيتو المعطى فقط للدول الكبيرة المتجبرة، حل النزاعات بالطرق السلمية وعدم اللجؤ إلى القوة والحرب بأي شكل من الأشكال ولأي سبب من الأسباب. توقيع معاهدة شاملة لنزع كافة أشكال الأسلحة من أيدي الأفراد والجماعات والدول دون استثناء أو تمييز. 


أعتقد بأن هذا النداء نوع من الحلم الذي لا يمت إلى الواقع بشيء لأن الخبرة علمتنا بأن الإنسان مجبول بالشر وقد يصبح بسهولة ذئباً لأخيه الإنسان، ولكن من الأفضل أن نعي ونرتدع قبل فوات الأوان وإلا فإن مستقبل البشرية ومصير العالم سيكون على "كف عفريت". 


وأخيراً، أعجب من عقل الإنسان، هذا الكائن العبقري الرائع، كيف استطاع أن يستغل ذكاءه وطاقاته الفائقة لتطوير كل هذه الأسلحة العجيبة الغريبة الرهيبة عالية التقنية؟ فلماذا لا يستغل كل هذا الذكاء وكل هذه الثروة والمال من أجل خير الإنسانية؟


ويا ليت هيئة الأمم المتحدة أصغت جيداً لخطاب قداسة البابا بولس السادس الذي ألقاه عام 1974 حيث دعى إلى نهاية الحروب: "لم يعد في الأرض حب، لا ولا إيمان، إنما في الأرض حرب تهدم الإنسان" وطالب بتوفير المال للعمار بدل الدمار: "آه من مال تجنى في هلاك الأبرياء، وفروا المال فيبقى رحمة للبؤساء"، ودعى جميع بني البشر إلى نهاية الحروب بقوله: "يا أخي لا حرب بعد اليوم تفني لا قتال، يا أخي الله محبة ليس للبغض مجال". وأنهي بصرخة من أعماق القلب: "كفانا حروباً كفانا دماء".