Skip to main content

الطيبة… حين اختار يسوع بلدةً صغيرة ليعلّم العالم معنى الثبات

بقلم: الأب بشار فواضله - كاهن البطريركية اللاتينية - الطيبة
الطيبة… حين اختار يسوع بلدةً صغيرة ليعلّم العالم معنى الثبات

بقلم: الأب بشار فواضله - كاهن البطريركية اللاتينية - الطيبة

مقدمة

ليس غريبًا أن يمرّ يسوع في المدن، لكن الغريب أن يختار قرية صغيرة ليختبئ فيها قبل أهم مرحلة في حياته. وليس غريبًا أن يعلّم في الهيكل، لكن العجيب أنه، حين اقتربت ساعة الألم، ابتعد إلى مكان هادئ اسمه "أفرام" الطيبة اليوم. هناك، في قرية صغيرة على التلال، بعيدًا عن الضجيج والسلطة والصراعات، جلس يسوع مع تلاميذه. لا مع الجموع، لا مع الأقوياء، بل مع القليلين. وكأن يسوع أراد أن يقول: قبل أن تتغير حياة الإنسان، يحتاج إلى هدوء. قبل الصليب، هناك دائمًا قرية هادئة اسمها الطيبة. من هنا، الطيبة ليست مجرد قرية في فلسطين، بل هي مكان له معنى روحي عميق. هي المكان الذي لجأ إليه يسوع في وقت الخطر، والمكان الذي بقي فيه قبل أن يسير نحو الصليب. لذلك، عندما نتكلم عن الطيبة، نحن لا نتكلم فقط عن جغرافيا، بل عن قصة إيمان، وقصة ثبات، وقصة إنسان يرتبط بالأرض لأن الله مرّ منها.

لماذا اختار يسوع الطيبة "أفرام" ؟

عندما نقرأ الإنجيل المقدس (يوحنا54:11) نلاحظ أن يسوع، في لحظة الخطر، لم يذهب إلى مدينة كبيرة، ولم يلجأ إلى مكان قوة أو نفوذ، بل ذهب إلى قرية صغيرة قريبة من البرية. هذا الاختيار ليس صدفة! بل يريد يسوع تعليمنا بأنّ الله لا يعمل فقط في الأماكن العظيمة، بل في الأماكن الصغيرة أيضًا، وأن القرى البسيطة قد تكون مسرحًا لقرارات كبيرة في تاريخ الخلاص! أحيانًا، الأماكن التي يظنها الناس غير مهمة، تكون مهمة جدًا في نظر الله، ومن أجل هدفٍ أسمى وخلاصٍ شمولي.

فاختيار يسوع للطيبة يعلّمنا ثلاث حقائق مهمة:

أولًا، أن الهدوء ضروري قبل اتخاذ القرارات الكبيرة. يسوع انسحب ليصلّي ويهيّئ تلاميذه، وكأنَّ الرسالة تقول إن الإنسان لا يواجه الصعوبات بالاندفاع، بل بالصلاة والتفكير والاستعداد.

ثانيًا، أن الله يقدّس الأماكن المتواضعة؛ فالطيبة بلدة صغيرة، لكن اسمها صار مرتبطًا بحياة يسوع، وهذا يعني أن قيمة المكان لا تأتي من حجمه أو قوته، بل من حضور الله فيه.

ثالثًا، إن الانسحاب أحيانًا ليس ضعفًا، بل حكمة! فيسوع لم يهرب خوفًا، بل انسحب لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد، وهنا درس عميق: ليس كل انسحاب هزيمة، أحيانًا يكون خطوة ضرورية لإكمال الطريق وتحقيق الكمال.

الطيبة اليوم… رسالة في زمن صعب

إذا كانت الطيبة في زمن يسوع مكان لجوءٍ وهدوء، فهي اليوم مكان شهادة وصمود...! أهميتها اليوم ليست فقط لأنها ذُكرت في الإنجيل، بل لأن فيها جماعة بشرية ما زالت تعيش وتحافظ على إيمانها وأرضها ووجودها رغم كل الصعوبات.

إنَّ الطيبة اليوم تحمل رسالة للعالم، وهذه الرسالة ليست بالكلام بل بالحياة اليومية. عندما يبقى الناس في أرضهم رغم الخوف... عندما يحافظون على كنائسهم وبيوتهم وحقولهم... عندما يصلّون رغم الألم... فهم يعلنون رسالة قوية جدًا: أن الإيمان ليس فكرة، بل ثبات.

رسالة الطيبة اليوم يمكن أن نلخصها في ثلاث كلمات:

الثبات: أن تبقى واقفًا حتى عندما تكون الظروف ضدك.

الرجاء: أن تؤمن أن الغد يمكن أن يكون أفضل رغم كل شيء.

الأمانة: أن تحافظ على الأرض والإيمان والتاريخ الذي استلمته.

ارتباطنا بالأرض وبموطن يسوع

وجودنا على هذه الأرض ليس مجرد صدفة جغرافية. الأرض هنا ليست فقط ترابًا، بل ذاكرة وهوية وقصة إيمان، على هذه الأرض سار يسوع، وعلى هذه الأرض عاش الناس الذين سمعوا كلماته، وعلى هذه الأرض وُلدت الكنيسة الأولى. لذلك فإن ارتباط الإنسان بأرضه ليس مجرد تعلّق عاطفي، بل هو ارتباط بالكرامة والجذور والمعنى. الإنسان بلا أرض يشعر أنه بلا تاريخ، وبلا مكان، وبلا ذاكرة، أما الإنسان المرتبط بأرضه، فهو مرتبط بقصته وبعائلته وبمستقبله.

ومن هنا نفهم معنى البقاء: البقاء ليس مجرد سكن في مكان، بل هو شهادة، عندما يبقى الإنسان في أرضه، يقول للعالم: هنا قصتي، هنا تاريخي، هنا صلاتي، هنا أريد أن أعيش.

خاتمة... لجوء وارسال

حين لجأ يسوع إلى الطيبة، لم يكن يبحث فقط عن مكان يختبئ فيه، بل عن مكان يهيّئ فيه القلوب للمرحلة الأصعب. هناك، في قرية صغيرة وهادئة، كان يسوع يستعد للصليب، وكان يعلّم تلاميذه أن الطريق ليس دائمًا سهلًا، لكن الله يسير مع الإنسان حتى النهاية.

والطيبة اليوم تشبه تلك الأيام. فهي ليست فقط مكانًا جغرافيًا، بل مكان رسالة، لتقول للعالم إن الإنسان يمكن أن يتعب لكنه لا يترك أرضه، يمكن أن يخاف لكنه لا يفقد إيمانه، يمكن أن يتألم لكنه لا يفقد رجاءه.

الطيبة تذكّرنا أن الإيمان ليس كلمات تُقال، بل حياةٌ تُعاش!

وتذكّرنا أن الأرض ليست مجرد مكان نسكنه، بل قصة ننتمي إليها.

وتذكّرنا أن الله لا ينسى الأماكن الصغيرة، بل يمرّ منها ليصنع أشياء كبيرة.

ربما اختار يسوع الطيبة لأنها هادئة، صغيرة، وبعيدة عن الضجيج... لكنها منذ ذلك اليوم لم تعد صغيرة، لأن الله عندما يمرّ في مكان، يصبح هذا المكان كبيرًا بمعناه، كبيرًا برسالته، كبيرًا بثبات أهله... لهذا، ستبقى الطيبة أكثر من بلدة صغيرة، بل هي قصةُ إيمانٍ على هذه الأرض، وقصة شعبٍ قرر أن يبقى رغم الالام.