تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

البطريركية اللاتينية في القدس تضرب بصمت الواقع القاسي بصبر وإصرار

تعتزم إعادة فتح إحدى مدارسها الرئيسية في غزة
البطريركية اللاتينية في القدس تضرب بصمت الواقع القاسي بصبر وإصرار

القدس – نبض الحياة - في رسالة وجهتها البطريركية اللاتينية في القدس إلى أصدقائها وشركائها، وصف الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا الكنيسة في هذه الأوقات الصعبة بأنها أشبه بـ "المطرقة الهوائية"، تعمل بصبر ومثابرة لتغيير الواقع الصعب دون قوة أو ضجيج.

الرسالة تسلط الضوء على صمود الجماعات المسيحية في الأرض المقدسة رغم الحرب والأزمات الاقتصادية، وجهود الكنيسة المستمرة في غزة والضفة الغربية لتوفير الغذاء والرعاية الطبية والدعم التعليمي للأطفال والعائلات، مع التركيز على إعادة فتح المدارس في غزة واستمرار برامج الدعم البشري والاجتماعي.

وتؤكد البطريركية أن هذه المبادرات تمثل خطوة نحو الرجاء واستمرارية الحضور المسيحي، داعية الجميع لمواصلة الدعم والصلاة من أجل الأرض المقدسة.

وفيما يلي نص الرسالة:

الأصدقاء والشركاء الأعزاء،

غالبًا ما يصف صاحب الغبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك اللاتين في القدس، الكنيسة في هذه الأوقات الصعبة بأنها أشبه بـ "المطرقة الهوائية" العاملة. فكما تضرب المطرقة الصخر القاسي ببطء وبإصرار حتى يبدأ بالتصدّع، تواصل رسالة الكنيسة مسيرتها بعزمٍ صبور. فالأمر لا يتعلّق بالقوة أو الضجيج، بل بالمثابرة؛ إذ إن الجهد الهادئ والأمين، المتكرّر يومًا بعد يوم، يمكّن الكنيسة من العمل بصبر حتى تبدأ أقسى الوقائع بالتغيّر.

تعكس هذه الصورة إلى حدّ كبير واقع حياة الكنيسة اليوم في الأرض المقدسة. هنا، في الأرض التي شهدت ميلاد مخلّصنا وموته وقيامته، ظلّ الإيمان متجذّرًا بعمق في تربة التاريخ. فعلى مدى قرون، بقيت الجماعات المسيحية حاضرة في هذه الأرض المقدسة، حاملة رسالة الصلاة والخدمة والشهادة.

اليوم تواجه هذه الرسالة اختبارًا في واحدة من أصعب الفترات التي عرفتها منطقتنا في السنوات الأخيرة. فالحرب المستمرة والمواجهات العسكرية في المنطقة ما تزال تثقل كاهل الحياة اليومية في مختلف أنحاء الإقليم، بما في ذلك غزة والضفة الغربية والقدس. وقد فقدت عائلات كثيرة مصادر رزقها، وتباطأت الحياة الاقتصادية بشكل ملحوظ، بينما يسود القلق وعدم اليقين كل بيت، بعدما كان هناك أمل بإمكانية حدوث تغيير إيجابي قبل اندلاع جولة العنف الأخيرة التي شملت إيران والمنطقة بأسرها. وفي ظل هذه الظروف، ازداد بشكل ملحوظ لدى كثيرين الرغبة في مغادرة الأرض المقدسة، فيما تكافح العائلات لتخيّل مستقبل آمن لأطفالها.

ومع ذلك، يبقى الرجاء حيّ.

فالرجاء المسيحي في الأرض المقدسة لم يُبنَ يومًا على القوة أو الاستقرار، بل على الأمانة: الأمانة لله، وللكرامة الإنسانية، ولدعوة البقاء حيث ترسّخت جذور الإنجيل لأول مرة. ومثل أشجار الزيتون التي صمدت لأجيال في هذه الأرض، تواصل جماعاتنا الثبات بجذورٍ عميقة، فيما ترتفع صلواتها نحو السماء.

أما الوضع الإنساني في غزة فلا يزال شديد الهشاشة. فالوصول إلى الإمدادات الأساسية ما يزال مقيّدًا، والنظام الصحي يعاني ضغطًا شديدًا. وتعمل العديد من المستشفيات بشكل جزئي فقط، فيما تبقى النواقص في الأدوية والمواد الطبية الاستهلاكية حادّة. كما يعاني جزء كبير من السكان من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواصل تضرّر البنية التحتية فرض ضغوط هائلة على أنظمة المياه والصرف الصحي والصحة العامة.

وفي خضم هذا الألم، تواصل الكنيسة عملها الهادئ والدؤوب.

فجماعتنا في غزة، ولا سيما أولئك الذين يحتمون داخل مجمّع البطريركية اللاتينية، حافظت على قدرٍ من الاستقرار بفضل مخزون الطوارئ من المواد الغذائية الذي جرى تأمينه مسبقًا. وتواصل فرقنا تقديم المأوى والغذاء والوقود والأدوية، إلى جانب رعاية المسنين والمرضى وذوي الإعاقة والأطفال الذين ما يزالون تحت عنايتنا. ويعمل الطاقم هناك في ظروف بالغة الصعوبة، ويتحمّلون مسؤوليات كبيرة، غير أن تفانيهم يجسّد روح "المطرقة الهوائية": عملٌ متواصل، أمين، لا يعرف الكلل.

وفي خضم هذا الواقع الصعب، يجري أيضًا التحضير لخطوة مهمة على طريق التعافي. فبحلول حزيران/يونيو 2026، تعتزم البطريركية اللاتينية إعادة فتح إحدى مدارسها الرئيسية في غزة. وستبدأ المدرسة باستقبال نحو 400 طالب، على أن يتوسّع عددهم تدريجيًا ليصل إلى ألف طفل. وعند بلوغ طاقتها الكاملة، سيعمل فيها نحو 75 معلمًا وموظفًا، بينما سيبدأ العمل في المرحلة الأولى بـ 43 موظفًا، إضافة إلى العاملين أصلًا في مجمّع اللاتين.

وستفتح المدرسة أبوابها للأطفال من مختلف الانتماءات، مسيحيين ومسلمين على حدّ سواء، مع إعطاء الأولوية للطلاب الذين كانوا يرتادون مدارسنا قبل الحرب. ولا يزال التعليم أحد أقوى السبل لإعادة الكرامة والاستقرار والرجاء إلى العائلات التي عانت كثيرًا من عدم اليقين. وبالنسبة إلى كثير من الأطفال، ستكون هذه الخطوة بداية العودة إلى حياة طبيعية.

أما في الضفة الغربية، فالوضع لا يقل صعوبة. فقد تدهورت الظروف الاقتصادية بشكل حاد، مع ارتفاع مستويات الفقر وتراجع فرص العمل بصورة كبيرة. كما فرضت قيود الحركة، والنزوح، وتدمير المنازل والبنية التحتية، أعباء إضافية على مجتمعات تكافح أصلًا للحفاظ على مصادر عيشها.

استجابةً لذلك، تواصل البرامج الإنسانية وبرامج خلق فرص العمل التابعة للبطريركية اللاتينية التوسّع في كلٍّ من الضفة الغربية والقدس الشرقية. ومن خلال مبادرات التوظيف، ودعم المشاريع الصغيرة، وبرامج المساعدة الاجتماعية، نعمل على مساعدة العائلات للبقاء في وطنها بكرامة. وتهدف هذه المبادرات إلى تلبية الاحتياجات العاجلة، وإلى إعادة الثقة بإمكانية وجود مستقبل هنا.

كل يوم، تواصل الكنيسة مرافقة الأكثر ضعفًا: المسنين، والمرضى، والأطفال، والعائلات التي تواجه البطالة، وأولئك الذين يشعرون بضغط متزايد يدفعهم إلى مغادرة أرض أجدادهم. وغالبًا ما يكون هذا العمل هادئًا وغير مرئي، لكنه يستمر بإصرار.

وكما وصف صاحب الغبطة، تواصل الكنيسة، مثل "المطرقة الهوائية"، ضرب الواقع القاسي المحيط بنا بصبر. فكل خدمة تُقدَّم، وكل فرصة عمل تُخلق، وكل طفل يعود إلى مقاعد الدراسة، وكل عائلة تتلقى الدعم، تمثّل شرخًا جديدًا في صخرة اليأس.

إننا نحثّكم على إبقاء الأرض المقدسة في أعمالكم وصلواتكم وتضامنكم المتواصل. فالتزامكم ودعمكم الأمين لرسالة الكنيسة هنا يظل علامة رجاء قوية لجماعاتنا، ويذكّر أبناء شعبنا بأنهم غير منسيين، وأن الكنيسة الجامعة تسير إلى جانبهم في هذه الأوقات الصعبة.

شكرًا لوقوفكم إلى جانب أبناء الأرض المقدسة، ولمساعدتكم في الحفاظ على حضورهم في الأرض التي انطلقت منها رسالة الرجاء إلى العالم.